عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

56

اللباب في علوم الكتاب

وقيل : ولكل أهل موضع من المسلمين وجهته إلى جهة الكعبة يمينا وشمالا ووراء وقدّام [ فهي كجهة واحدة ، ولا يخفى على اللّه نيّاتهم ؛ فهو يحشرهم جميعا ويثيبهم على أعمالهم ] « 1 » . وفي « وجهة » قولان : أحدهما : ويعزى للمبرد ، والفارسي ، والمازني في أحد قوليه : أنها اسم المكان المتوجه إليه ، وعلى هذا يكون إثبات « الواو » قياسا إذ هي غير مصدر . قال سيبويه ولو بنيت « فعلة » من الوعد لقلت : وعدة ، ولو بنيت مصدرا لقلت : عدة . والثاني : أنه مصدر ، ويعزى للمازني ، وهو ظاهر كلام سيبويه ، فإنه قال بعد ذكر حذف « الواو » من المصادر : « وقد أثبتوا فقالوا : وجهة في الجهة » وعلى هذا يكون إثبات « الواو » شاذّا منبهة على ذلك الأصل المتروك في « عدة » ونحوها ، والظاهر أن الذي سوغ إثبات « الواو » وإن كانت مصدرا أنها مصدر جاءت على حذف الزوائد ؛ إذ الفعل المسموع من هذه المادة توجّه واتّجه ، ومصدرهما التوجه والاتجاه ، ولم يسمع في فعله : « وجه يجه » ك « وعد يعد » ، وكان الموجب لحذف « الواو » من عدة وزنة الحمل على المضارع لوقوع الواو بين ياء وكسرة ، وهنا لم يسمع فيه مضارع يحمل مصدره عليه ، فلذلك قلت : إن « وجهة » مصدر على حذف الزوائد ل « توجه » أو « اتجه » ، وقد ألم أبو البقاء بشيء من هذا . قال القرطبي : الوجهة وزنها فعلة من المواجهة . والوجهة والجهة والوجه بمعنى واحد ، والمراد القبلة ، أي : أنهم لا يتبعون قبلتك ، وأنت لا تتبع قبلتهم ، ولكل وجهة : إما بحق ، وإما بهوى . فصل في لفظ الوجه قال أبو العباس المقرئ : ورد لفظ الوجه في القرآن الكريم على أربعة أضرب : الأول : بمعنى الملّة ، قال تبارك وتعالى : « وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها » أي : ملّة . الثاني : بمعنى الإخلاص في العمل ، قال تعالى : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ [ الأنعام : 79 ] أي : أخلصت عملي ، ومثله : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [ النساء : 122 ] أي : أخلص عمله للّه . الثالث : بمعنى الرّضا ، قال تعالى : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [ الأنعام : 52 ] أي : رضاه ، ومثله : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ [ الكهف : 28 ] الآية الكريمة ، ومثله : وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ [ الروم : 29 ] أي : رضاه .

--> ( 1 ) سقط في ب .